اقتصاد

معضلة القارة السمراء: 1.5 مليار نسمة وناتج لا يتجاوز 3%

960px Man in prostration.svg

تقف القارة الأفريقية اليوم أمام مفارقة اقتصادية وتنموية غير مسبوقة، تتمثل في امتلاكها لقاعدة بشرية ضخمة وثروات هائلة، بالتوازي مع حصة ضئيلة لا تعكس هذا الثقل الحقيقي على خريطة الاقتصاد العالمي. تفتح هذه الإشكالية باب التساؤل حول الأسباب الحقيقية التي تبقي القارة بعيدة عن مسار الاستغلال الأمثل لمقدراتها، رغم مرور عقود على الاستقلال وتحولات النظام العالمي.

ثقل ديموغرافي يعانده الغياب الاقتصادي

تشير المعطيات الراهنة إلى أن عدد سكان أفريقيا يبلغ نحو 1.5 مليار نسمة، متجاوزاً بذلك الكثافة السكانية لكل من الهند والصين. والأكثر أهمية من حيث الأبعاد المستقبلية هو الميزة الديموغرافية المتمثلة في صغر سن السكان، إذ يبلغ متوسط العمر في القارة نحو 19 عاماً، مقارنة بنحو 28 عاماً في الهند و40 عاماً في الصين و43 عاماً في أوروبا. ورغم أن الأفارقة يمثلون أكثر من 19% من إجمالي سكان العالم، إلا أن مساهمة القارة في الناتج العالمي لا تتجاوز نحو 3%، بينما تقل حصتها في الناتج الصناعي والتكنولوجيات المتقدمة عن ذلك بكثير.

إرث تاريخي وتحديات هيكلية معقدة

وفقاً للتقارير والرؤى المطروحة، عانت أفريقيا تاريخياً من أشكال متعددة من الاستغلال، بدأت بالاستكشاف الأوروبي في القرن الخامس عشر، مروراً بالثورة الصناعية والتوسع الاستعماري، وصولاً إلى صور حديثة تتمثل في شروط التجارة غير العادلة والاقتراض المفرط والتدفقات المالية غير المشروعة. ورغم تأثير هذا الإرث وتداعيات الأزمات العالمية مثل جائحة كورونا، تؤكد التحليلات أن جذور الأزمة تعود أيضاً إلى ضعف الإدارة، وعدم اتساق السياسات، وهشاشة المؤسسات، وغياب انضباط الأولويات داخل بعض الاقتصاديات المحلية.

ججوة البنية التحتية ومعضلة التمويل

تتجسد إحدى أبرز العقبات التنموية في الفجوة الهائلة بقطاع البنية التحتية؛ إذ تشير التقارير الصادرة عن مفوضية الاتحاد الأفريقي ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إلى أن القارة تحتاج إلى ما لا يقل عن 155 مليار دولار سنوياً للاستثمار في البنية التحتية ومشروعات الطاقة لتحقيق مستهدفات النمو بحلول عام 2040. وفي المقابل، لا تتجاوز الاستثمارات الفعلية نحو 83 مليار دولار، مما يترك فجوة سنوية تقارب 72 مليار دولار تتطلب مضاعفة حجم التدفقات المالية وتوجيهها نحو النوعية والفعالية المطلوبة.

من منظور الأسواق والأرقام، يعكس هذا الحدث تفاوتاً صارخاً بين الطاقات الكامنة والواقع الفعلي للإنتاج والاستثمار في القارة السمراء، حيث تتطلب المرحلة المقبلة زيادة الإنتاج بنحو 6 مرات للوصول إلى مستوى يتناسب مع الوزن السكاني العالمي. ويبقي السؤال المطروح: هل تنجح الدول الأفريقية في تحويل رأس مالها البشري الشاب إلى قوة إنتاجية قادرة على إعادة رسم خريطة الاقتصاد الدولي؟

اترك تعليقًا