على مدار عقود طويلة، ظلت الذاكرة الجماعية ترتبط بأصوات شكلت وجدان الأمة، ولم يكن صوت الفنانة الراحلة فايدة كامل مجرد أداء طربي عادي، بل تحول إلى رمز حي للمقاومة والوطنية، قبل أن تختار مساراً آخر تخدم من خلاله مجتمعها تحت قبة البرلمان لتكتب تاريخاً فريداً يجمع بين الإبداع الفني والعمل السياسي الميداني.
من النشأة الموسيقية إلى اكتشاف المواهب
وُلدت فايدة محمود كامل في القاهرة يوم 12 يوليو عام 1932 داخل أسرة موسيقية عريقة، مما جعل الموسيقى جزءاً أصيلاً من تكوينها منذ الطفولة. ظهرت موهبتها المبكرة خلال سنوات الدراسة، لتلتحق لاحقاً بمعهد الموسيقى العربية وتواصل شغفها في المعهد العالي للفنون المسرحية والغنائية، إلى جانب دراستها للحقوق التي لعبت دوراً بارزاً في صياغة خلفيتها القانونية والسياسية لاحقاً.
بدأت مشوارها الفني من خلال برامج الأطفال بالإذاعة المصرية، ثم انطلقت في عالم الغناء لتصبح علامة فارقة في الأغنية الوطنية. والجدير بالذكر أنها أسهمت في إبراز موهبة الموسيقار بليغ حمدي عندما قدمت من ألحانه أغنية «ليه فايتني ليه؟» التي كتبها الشاعر محمد حلاوة وحققت نجاحاً لفت الأنظار إلى الملحن الشاب حينها.
أيقونة المقاومة والأغنية الوطنية الخالدة
مع تصاعد الأحداث في خمسينيات القرن الماضي، لمع اسم فايدة كامل بقوة خلال العدوان الثلاثي على مصر عام 1956. صدح صوتها بأغنية «دع سمائي» من كلمات كمال عبد الحليم وألحان علي إسماعيل، لتتحول الأغنية إلى رمز حقيقي للصمود والمقاومة وتمسك الشعب بأرضه.
قدمت الراحلة رصيداً غنياً من الأعمال الوطنية المرتبطة بالأحداث المصرية مثل «أنا بورسعيد»، «فات الكثير يا بلدنا»، و«السد العالي»، فضلاً عن مشاركتها في الملاحم الجماعية الكبرى مثل أوبريت «وطني الأكبر» و«صوت الجماهير» بجانب كبار نجوم الطرب.
ولم تقتصر مسيرتها على الوطنيات، بل قدمت أعمالاً شعبية ودينية وشاركت في عدة أفلام سينمائية، قبل أن تختار التفرغ للعمل العام.
مسيرة برلمانية غير مسبوقة تحت قبة البرلمان
انتقلت فايدة كامل إلى العمل السياسي عام 1971 عندما ترشحت لعضوية مجلس الشعب عن دائرة الخليفة والسيدة عائشة. واستمرت عضويتها لمدة 34 عاماً متواصلة حتى عام 2005، مما أدخلها موسوعة جينيس للأرقام القياسية كواحدة من أطول النائبات بقاءً في العمل البرلماني على مستوى العالم.
ركزت في عملها النيابي على تحسين الخدمات الأساسية لدائرتها مثل توصيل مياه الشرب والصرف الصحي وإنشاء المدارس ومراكز الشباب، وتولت رئاسة لجنة الثقافة والإعلام والسياحة دافعةً نحو حماية التراث السينمائي والهوية الوطنية، قبل أن ترحل عن عالمنا في 21 أكتوبر 2011.
رأي XoneGold
على المستوى الإنساني والمجتمعي، نلاحظ أن تجربة فايدة كامل تقدم نموذجاً فريداً لقدرة الفنان على تجاوز حدود الأداء الترفيهي ليصبح مؤثراً حقيقياً في بنية المجتمع وتنميته. إن الجمع بين ناعمة الفنون وقسوة العمل السياسي والميداني لم يكن أمراً سهلاً، إلا أنها استطاعت عبر أربعة عقود أن تترك بصمة واضحة في وجدان المواطنين سواء بأغانيها الخالدة أو بخدماتها التشريعية. واليوم، وبينما نستحضر سيرتها، يبرز التساؤل الأهم: هل يمكن للفن الهادف في عصرنا الحالي أن يقدم شخصيات قادرة على صناعة هذا التأثير المزدوج والمستدام في حياة الشعوب؟

اترك تعليقًا