إذا نظرنا إلى كواليس قطاع الرعاية الصحية اليوم، سنجد أن المشهد يتغير بسرعة جذرية لم تكن مألوفة من قبل في هذا القطاع المحافظ بطبيعته. فقد تمكنت شركة ناشئة غير مشهورة حتى وقت قريب، مقرها ميامي، من اقتحام عيادات الأطباء وتحقيق تقييم مذهل بلغت قيمته 15 مليار دولار، مستندة إلى محرك بحث ذكي يعتمد على الإعلانات.
قفزة نوعية وانتشار واسع بين الأطباء
تعتمد منصة OpenEvidence، التي تأسست في عام 2022 على يد رائد الأعمال دانيال نادلر، على تزويد الأطباء بأداة ذكاء اصطناعي تفحص المجلات الطبية والإرشادات السريرية للمساعدة في التشخيص والعلاج. وتشير التقارير إلى أن ما يقرب من ثلثي الأطباء في الولايات المتحدة يعتمدون على هذه الأداة في قراراتهم المتعلقة بالمرضى، حيث عكف الأطباء على معالجة أكثر من 42 مليون طلب عبر روبوت الدردشة الخاص بالشركة خلال شهر واحد فقط.
هذا الانتشار السريع جعل المنصة تبرز كأول تطبيق استهلاكي انتشاري واسع النطاق في مجال الرعاية الصحية، ونمت بشكل كبير بفضل التوصيات الشفهية وحديث الأطباء عنها فيما بينهم. وقد استقطبت هذه الانطلاقة القوية استثمارات قوية بلغت نحو مليار دولار على مدار الـ 18 شهراً الماضية من جهات بارزة مثل أندريهسن هورويتز وبلاكستون وثرايف كابيتال وسيكويا، توجت بجولة تمويلية بقيمة 250 مليون دولار في سبتمبر الماضي.
شراكات مؤسسية وتوسع استراتيجي وسط التحديات
لم يقتصر نجاح المنصة على الاستخدام الفردي، بل امتد ليتوج بشراكات رسمية مع مستشفيات وعيادات متخصصة بارزة في نيويورك مثل نظام سيناء الصحي ومستشفيات أخرى قامت بدمج الأداة ضمن سجلاتها الصحية الإلكترونية. وأكد مسؤولي المعلوماتية الصحية في تلك المؤسسات أن هذه الخطوة جاءت لضمان استخدام الأطباء للأداة بأعلى درجات الأمان والكفاءة الاستفادية الممكنة، خاصة وأن المنصة تعتمد على قائمة مصادر مركزة تضم المجلات المُحكمة مثل مجلة نيو إنغلاند الطبية.
وفي المقابل، تواجه الشركة تحديات متزايدة تتمثل في دخول شركات عملاقة للذكاء الاصطناعي مثل أوبن إي آي وأنثروبيك إلى نفس السوق. كما أثار اعتمادها المتزايد نقاشات بين الباحثين حول دقة النتائج ومدى اعتماد الأطباء عليها، فضلاً عن تعثر توسعها في سوقين رئيسيين هما الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة إثر انسحابها المبكر بسبب قانون الذكاء الاصطناعي الخاص بالكتلة الأوروبية، إضافة إلى تساؤلات النقاد حول جدوى نموذجها الإعلاني.
مستقبل الرعاية الصحية الذكية
من إذا نظرنا إلى هذا الابتكار من زاوية تأثيره على مستقبل المستخدم والمريض على حد سواء، نجد أن التكنولوجيا باتت تتغلغل في أصدق وأدق التفاصيل الإنسانية والمهنية. فالأداة لم تعد تقتصر على البحث السريع، بل بدأت بالتوسع نحو التوثيق المحيطي وتدوين الملاحظات أثناء التفاعلات بين الطبيب والمريض. يبقى السؤال الأهم: كيف ستوازن هذه الأدوات المدعومة بالإعلانات بين سرعة تقديم الرعاية الطبية الفائقة والمسؤولية الأخلاقية والسريرية التامة؟

اترك تعليقًا