على مدار ما يقرب من أربعة عقود، ظلت المنارة الثقافية الأبرز في مصر والمنطقة العربية تمثل ملاذاً لكل عشاق الفنون الراسخة والمبدعين بمختلف أجيالهم. وفي محطة تاريخية جديدة تستعد دار الأوبرا المصرية للاحتفال بيوبيلها، متسلحة بإرث فني امتد لتشمل أروقتها سبعة مسارح رئيسية تتوزع بين القاهرة والإسكندرية والبحيرة، لتتحول بمرور السنين إلى متنفس ثقافي متجدد وواحة تحتضن التجارب الواعدة بجانب الأعمال الكلاسيكية الخالدة.
لوحة بشرية ضخمة على المسرح الكبير
تستعد خشبة المسرح الكبير لاستقبال استعراض فني فريد من نوعه يجمع أكثر من 500 فنان من مختلف الفرق التابعة، في تظاهرة بصرية وصوتية توثق رسالة المكان وتاريخه الممتد. وتحت إشراف البيت الفني للموسيقى والأوبرا والباليه، وبتوقيع المخرج هشام الطلى، تنطلق الاحتفالية في تمام الثامنة من مساء يوم السبت 10 أكتوبر، لتقدم للجمهور وجبة فنية متكاملة تبدأ بمراسم السلام الوطني، ممهدة الطريق لرحلة سحرية بين طيات النغم الأصيل والفنون الاستعراضية الرفيعة.
جسور من النغم بين العربية والكلاسيكية العالمية
تتنوع فقرات الأمسية الكبرى لترسم خريطة إبداعية متكاملة، حيث يقود فقرة الموسيقى العربية كل من المايسترو مصطفى حلمي وإيهاب عبد الحميد، بمشاركة كوكبة من الأصوات الطربية لأداء مختارات خالدة مثل موسيقى ‘أيام السادات’ و’أميرة التشارداس’ وغيرها. وفي خطوة استثنائية، يقدم أوركسترا القاهرة السيمفوني بقيادة نادر عباسي وبمشاركة كورال أكابيلا، العرض الأول لأوبريت ‘الوطن الأكبر’ لموسيقار الأجيال محمد عبد الوهاب، إلى جانب مشاهد من باليهات عالمية ومحلية بإشراف نخبة من المديرين الفنيين والماستيروز، لتعكس هذه التشكيلة عمق التنوع الذي يميز هُوية الدار منذ افتتاحها التاريخي عام 1988.
ذاكرة مصورة ترصد رحلة الصمود الفني
لا تقتصر الاحتفالية على العروض الحية فحسب، بل يتخللها عرض فيلم وثائقي أعده استوديو المონتاج وأخرجه سامر ماضي، ليعيد إحياء محطات بارزة من تاريخ الأوبرا المصرية منذ نشأتها وحتى يومنا هذا، متضمناً مشاهد نادرة تعود لعصر الأوبرا الخديوية. هذا السرد البصري يضع المشاهد أمام شريط ذكريات متصل يبرز كيف نجحت المؤسسة في أن تظل درة قلاع الفنون الجادية في قارة إفريقيا والوطن العربي، ومقصداً أساسياً لمختلف فئات الجمهور والجاليات العربية والأجنبية.
على المستوى الإنساني والمجتمعي، نلاحظ أن استمرار صرح فني عريق في تقديم رسالته لـ 38 عاماً لا يعكس مجرد نجاح إداري أو تنظيمي، بل يترجم حاجة إنسانية ملحة لدى الجمهور للتواصل مع الفنون الجادة والراقية في مواجهة صخب الحياة اليومية، حيث تتحول المسارح إلى فضاءات تجمع بين مختلف الشرائح تحت سقف الجمال والإبداع. ما يثير التساؤل حقاً في هذا السياق الثقافي هو: كيف يمكن لهذه القلاع الفنية أن تستمر في جذب الأجيال الجديدة نحو الفنون الكلاسيكية وسط التسارع الهائل للثقافة الرقمية؟








اترك تعليقًا