رياضة محلية

حين توقفت كرة القدم وبدأت الملحمة: حكاية مباراة العبور

3f5979cd 31b3 416f ae4c 018471c30b54

وسط أجواء مشحونة بالتساؤلات والترقب، انطلقت في تمام الساعة الثانية والنصف ظهر يوم السادس من أكتوبر عام 1973، مباراة جمعت بين ناديي الطيران وغزل المحلة على ملعب الترسانة ضمن منافسات الدوري المصري. لم تكن هذه المواجهة الرياضية العادية التي تقام في الجولة الخامسة تدور في ذهن أحد أنها ستتحول إلى جزء خالد من الذاكرة الوطنية المصرية، لتتداخل تفاصيل المستطيل الأخضر مع عظمة الأحداث الكبرى خارج أسوار الملعب.

تشجيع عابر للحدود الرياضية

مع مرور الدقائق الأولى من الشوط الأول، اشتعلت مدرجات ملعب الترسانة بهتافات غير مألوفة من جماهير غزل المحلة، التي لم تكن تدعم فريقها بل راحت تهتف بحماس للمنافس قائلة: ‘الله أكبر، الله أكبر طيران.. طيران’. أثار هذا المشهد دهشة بالغة واستغراباً كبيراً بين لاعبي غزل المحلة الذين لم يكونوا على علم بما يدور في الخارج، لاسيما وأن تلك الهتافات لم تكن حباً في نادي الطيران بحد ذاته، بل احتفالاً ودعماً لسلاح الطيران المصري الذي كان ينفذ أعظم العمليات الجوية في التاريخ العسكري.

بين الشوطين.. الحقيقة الكبرى

يروي أسطورة غزل المحلة الراحل عمر عبدالله كواليس تلك اللحظات التاريخية، موضحاً أن اللاعبين تفاجأوا بموقف الجماهير واستفسر سر هذا الهتاف الغريب عقب نهاية الشوط الأول. وما إن عرف اللاعبون بنبأ إعلان بداية الحرب وعبور قناة السويس، حتى تحولت طبيعة اللقاء إلى مجرد استكمال روتينى للمباراة بالأقدام فقط بينما كانت الأذهان والقلوب معلقة بما يدور في ميدان المعركة، ليتوجه عدد من اللاعبين في اليوم التالي مباشرة لتسليم أنفسهم إلى الجيش والشرطة.

نهاية الدوري وتخليد الذاكرة

أدى اندلاع الحرب الكبرى إلى قرار اتحاد الكرة المصري بإلغاء تلك النسخة من الدوري الاكتفاء بخوض 5 جولات فقط. وبعيداً عن مجريات كرة القدم البحتة، ظلت تفاصيل تلك المرحلة حاضرة في الأذهان، لا سيما مع المواقف الرمزية التي يستعيدها نادي غزل المحلة سنوياً في احتفالات أكتوبر، مستذكراً تفاصيل مرتبطة بعودة الأسرى وتلك اللحظات الفارقة في تاريخ الوطن.

من الناحية الفنية والتكتيكية والرياضية، يُظهر هذا التطور كيف تتراجع كرة القدم وتتلاشى تفاصيلها الصغيرة أمام عظمة الواجب الوطني الكبرى، وكيف تتحول الملاعب الرياضية إلى جزء من ملحمة شعب بأكمله. السؤال الرياضي والإنساني الأهم هنا: هل يمكن للرياضة يوماً أن تنفصل عن نبض مجتمعاتها وقضايا أوطانها الكبرى؟

اترك تعليقًا