وسط الطبيعة القاسية لجبال الألب وفي عزلة تامة عن صخب العالم، تجد شابة لبنانية نفسها في رحلة بحث عميقة عن الذات والحرية. هذا المشهد الإنساني العميق يقوده المخرجان نائل خليفي وليزا ديبوش من خلال تجربتهما السينمائية الجديدة، ليأخذ المشاهدين في رحلة استثنائية تعيد تعريف مفهوم الانتماء والغربة بعيداً عن الأوطان.
ملامح الغربة والبحث عن الهوية في قمم الألب
يطرح فيلم «المراعي الصيفية» (L’estive) قضايا إنسانية معقدة تتشابك فيها مشاعر الغربة، والعزلة، والبحث عن الهوية. تدور أحداث العمل حول الشخصية الرئيسية «هانا»، التي تجسد دورها الممثلة الفرنسية اللبنانية منال عيسى. اختارت هذه الشابة حياة الانعزال عبر العمل كمتدربة في رعي الأغنام وسط المرتفعات الجبلية الساحقة، هرباً من ضغوط الحياة اليومية وتعقيداتها.
وعلى الرغم من هذا البعد الجغرافي الشاسع عن وطنها الأم، إلا أن خيوط الماضي وارتباطها الوثيق بلبنان تظل حاضرة بقوة في وجدانها. تحمل الشخصية في تفاصيلها اليومية فيضاً من مشاعر الحنين الجارف إلى الوطن، وإلى الأشخاص الذين تركتهم خلفها منذ أيام طفولتها، لتتجلى المعاناة الداخلية بصدق فني رفيع.
محطة جديدة في مسيرة النجاح الدولي
لم يمر هذا العمل السينمائي مرور الكرام على الساحة العالمية، فقد حظي باهتمام واسع ومبكر بعد عرضه ضمن قسم «صنّاع الأفلام من الحاضر» في الدورة التاسعة والسبعين من مهرجان لوكارنو السينمائي الدولي عام 2026. هذا الحضور الدولي القوي أكد قيمة التجربة الإنسانية التي يطرحها الفيلم وقدرته على مخاطبة وجدان الجمهور بغض النظر عن ثقافاتهم.
وقد توج هذا الاحتفاء الدولي بحصول بطلة الفيلم، منال عيسى، على جائزة أفضل أداء عن دورها المؤثر في العمل. هذا التكريم لم يكن سوى اعتراف صريح بقدرتها على نقل مشاعر العزلة والحنين ببراعة تجعل المتلقي يعيش تفاصيل الرحلة النفسية للشخصية بكل حذافيرها.
من آفاق لوكارنو إلى شاشات مهرجان القاهرة
وفي محطته العربية الجديدة، وقع اختيار مهرجان القاهرة السينمائي الدولي في دورته الـ 47 على الفيلم اللبناني لينافس هذا العام ضمن مسابقة آفاق عربية. يفتح هذا الاختيار الباب أمام الجمهور العربي للتعرف عن قرب على هذه الحكاية الفريدة التي تمزج بين قسوة الطبيعة وصلابة الروح الإنسانية في مواجهة التحديات.
يأتي هذا العرض ليؤكد استمرار السينما العربية في تقديم أعمال ذات عمق إنساني عالمي، قادرة على السفر عبر القارات وترك بصمة واضحة في كبرى المحافل السينمائية الدولية والمحلية على حد سواء.
رأي XoneGold
على المستوى الإنساني والمجتمعي، نلاحظ أن فيلم «المراعي الصيفية» لا يقدم مجرد قصة درامية عابرة حول الهجرة، بل يغوص في العمق النفسي لفكرة الاغتراب الداخلي والخارجي على حد سواء. إن اختيار البطلة للهروب إلى قسوة الطبيعة وعزلتها يعكس صراعاً بشرياً أزلياً بين الرغبة في التحرر والانتماء للجذور. والسؤال الذي يفرض نفسه هنا: إلى أي مدى يمكن للطبيعة الصامتة أن تداوي جراح الذاكرة وتساعد الإنسان على إعادة بناء ذاته المشتتة؟
