في خطوة تعكس حجم التوتر المتصاعد بين طموح الابتكار والأخلاقيات المهنية، يواجه قطاع التكنولوجيا اليوم اختباراً حقيقياً بعد تحركات غير مألوفة داخل كبرى الشركات. لم تكن المرة الأولى التي يتقاطع فيها عالم الذكاء الاصطناعي والروبوتات مع الأجهزة الأمنية، لكن ردود الفعل هذه المرة جاءت من الداخل مباشرة، لتضع الإدارة التنفيذية في مأزق حقيقي بين التزامات العقود الحكومية وضغوط العاملين الغاضبين.
أزمة الضمير المهني وانقسام الموظفين
شهدت كواليس شركة الروبوتات الأمريكية البارزة «بوسطن دايناميكس» حالة من الغضب العارم، بعدما وقع أكثر من 300 موظف عريضة احتجاجية تطالب الإدارة بوقف بيع روبوتاتها الشهيرة ذات الأربع أرجل إلى هيئة إنفاذ قوانين الهجرة والجمارك الأمريكية (ICE). ورغم أن القوة العاملة في الشركة تقدر بنحو 1,400 موظف، إلا أن هذا الرقم يمثل صوتاً جماعياً قوياً، سيما وأن نصف الموقعين فضلوا إخفاء هوياتهم خشية التداعيات المهنية، محذرين من مخاطر هذه الشراكة على سمعة ومستقبل الابتكار الأخلاقي.
قدرات تقنية متطورة ومهمات خطرة
تعود تفاصيل الأزمة إلى عقد بلغت قيمته 1.3 مليون دولار منحه البنتاغون أو وزارة الأمن الداخلي لشركة أخرى تُدعى «راديكو»، لتزويد هيئة الهجرة بنسخ معدلة من روبوتات «سبوت» تحت اسم «سيبرروس». وتتميز هذه الروبوتات بقدرتها على كشف الإشعاعات وتسربات الغازات السامة والتهديدات المتفجرة في المناطق الحضرية أو البيئات الصناعية المعقدة. كما تم تزويدها بكاميرات متطورة ذات قدرة تقريب تصل إلى 30 ضعفاً، ورؤية حرارية، وذراع روبوتية لفتح الأبواب، ومستشعرات أكسجين مخصصة لضمان صلاحية الهواء في المساحات الضيقة كالأنفاق.
تبريرات الإدارة ومخاوف الحقوقيين
من جانبها، دافعت الإدارة التنفيذية للشركة عن الصفقة بحزم، مؤكدة أن الروبوتات لن يتم تسليحها، وأن الهدف الأساسي منها هو الحفاظ على الأرواح البشرية وإبعاد الأفراد عن مناطق الخطر، بغض النظر عن الانتقادات السياسية أو المشاعر الشخصية. وأشارت الشركة إلى أن استخدام الروبوتات سيتركز عبر وحدة تحقيقات الأمن الداخلي لمكافحة شبكات تهريب البشر وعصابات الجريمة العابرة للحدود. في المقابل، تشير تقارير مركز بريننان للعدالة إلى تاريخ معقد لهذه الوحدة في عمليات الترحيل والمداهمات، وسط تقلبات سياسية واضحة بين الإدارات الأمريكية المتعاقبة حول استخدام هذه الأجهزة في إنفاذ قوانين الهجرة.
إذا نظرنا إلى هذا الابتكار من زاوية تأثيره على مستقبل المستخدم، نجد أن…
المعضلة هنا لا تتعلق فقط بمدى قانونية العقد، بل تمتد لتطرح تساؤلات عميقة حول الحدود الفاصلة بين التكنولوجيا المدنية والتطبيقات الأمنية الخشنة. عندما يقف المهندسون الذين صنعوا الحلم التقني ليطالبوا بوقف استخدامه في مجالات محددة، فإننا نشهد تحولاً جذرياً في وعي صناع التكنولوجيا الذين باتوا يرفضون فصل إبداعاتهم عن نتائجها الواقعية. فهل تنجح شركات الروبوتات الكبرى في رسم خطوط حمراء واضحة لمنتجاتها، أم أن ضغط العقود الحكومية سيلتهم المبادئ الأخلاقية للمطورين؟
