تظل ذكرى رحيل الفنانة الكبيرة تحية كاريوكا، التي تحل علينا في العشرين من سبتمبر، محطة مهمة لاستعادة مسيرة فنية استثنائية لم تقتصر على الرقص الشرقي فحسب، بل امتدت لتشمل السينما والمسرح والتلفزيون عبر نحو 200 عمل فني. فقد نجحت هذه الأيقونة بموهبتها وشخصيتها القوية في حجز مكانة خالدة بذاكرة الفن المصري والعربي، متجاوزة حدود المحلية إلى آفاق أوسع.
من الإسماعيلية إلى عرش الفن المصري
بدأت حكاية تحية محمد علي النيداني، المولودة عام 1915 في محافظة الإسماعيلية، بممارسة الرقص والغناء والتمثيل منذ طفولتها. ومع انتقالها إلى القاهرة بحثاً عن فرصة، التقت بالراقصة الشهيرة بديعة مصابني التي ضمتها لفرقتها عام 1935. ولم يمض وقت طويل حتى جاء عام 1940 ليشهد محطة فارقة، عندما رشحها الفنان سليمان نجيب لتقديم رقصة منفردة حملت اسم «كاريوكا»، صممها إزاك ديكسون استيحاءً من الفيلم الأمريكي «الطريق إلى ريو». ورغم ضيقها الأولي من اللقب، أدركت لاحقاً عبر مهاجر عربي في أمريكا أنها تجاوزت حدود الشهرة المحلية.
محطات سينمائية ومسرحية صنعت المجد
لعب سليمان نجيب دوراً محورياً في حياتها، إذ ساعدها على استكمال تعليمها في مدرسة فرنسية وعلمها السولفاج الموسيقي، كما عرفها بالفنان نجيب الريحاني الذي شاركته بطولة «لعبة الست». ورغم توترها في البداية، وجدته متواضعاً ومشجعاً، ورفع أجرها إلى 2500 جنيه وقتها. وتوالت أعمالها البارزة مثل «شباب امرأة»، «الفتوة»، و«السقا مات»، قبل أن تتألق في أدوار الأمومة ببراعة في «أم العروسة» و«خلي بالك من زوزو». واحتل المسرح مكانة خاصة في قلبها، حيث أسست مع المخرج فايز حلاوة فرقة مسرحية قدمت 18 مسرحية، إضافة إلى مشاركاتها التلفزيونية المتعددة.
على المستوى الإنساني والمجتمعي، نلاحظ أن…
مسيرة تحية كاريوكا لم تكن مجرد سرد لأرقام وأعمال فنية تجاوزت المئتين، بل تجسيداً حياً لقدرة الإنسان على التطور وتجاوز البدايات الصعبة نحو آفاق أرحب من التميز والتنوع. فقد جمعت بين الصرامة الشخصية والعمق الإنساني، خاصة في مراحلها العمرية المتقدمة حين أتقنت أدوار الأم بصدق وإحساس نافذ. إن تفرد هذه الفنانة يطرح تساؤلاً عميقاً حول مدى قدرة النجوم المعاصرين على ترك هذا الأثر الخالد الذي يتجاوز حدود الزمن والأدوار التقليدية.