تحتفي الذاكرة الفنية دائماً بالأسماء التي صاغت وجدان الأجيال، ويأتي اسم الموسيقار بليغ حمدي في مقدمة هؤلاء العمالقة الذين أثبتوا على مدار مشوارهم قدراً كبيراً من العبقرية والنبوغ. فقد نجح بليغ في تقديم ألحان تناسب كل الأصوات باختلاف طبقاتها، متعاوناً مع أهم نجوم الغناء في مصر والعالم العربي، لتظل ألحانه خالدة في وجدان الجمهور حتى يومنا هذا.
لكن مسيرة هذا النابغ لم تكن مجرد نوتات موسيقى هادئة، بل تخللتها محطات درامية وإنسانية معقدة. يذكر المهتمون بسيرة بليغ حمدي أنه في أثناء حرب أكتوبر 1973، ذهب وزوجته الفنانة وردة الجزائرية لمبنى الإذاعة والتلفزيون. ونظراً لظروف الحرب وعدم السماح بدخول غير العاملين، مُنع بليغ من الدخول، فما كان منه إلا أن مازح صديقه الإذاعي الكبير وجدي الحكيم قائلاً: ‘حعملك محضر في القسم يا وجدي عشان مش عاوز تخليني أدخل أعمل أغنية لبلدي’، في تعبير صادق عن عشقه الفطري لوطنه وموسيقاه.
ليلة دامية في منزل الموسيقار
في تطور درامي مغاير بعيداً عن أضواء الاستوديو، كشف المؤلف أيمن الحكيم تفاصيل مثيرة حول واقعة مقتل المطربة المغربية سميرة مليان في شقة الملحن الراحل. ففي يوم 17 ديسمبر 1984، شهد منزل بليغ حفلة لأصدقائه ومن ضمنهم سميرة وصديقه عبد المجيد. وبحسب الروايات، فإن عبد المجيد كان قد وعد سميرة بالزواج لكنه تزوج شقيقتها بدلاً منها، ولاحقاً وعدها بتقديم أغنية من تلحين بليغ حمدي لترضيتها.
مع نهاية الحفلة، خلد بليغ حمدي إلى النوم في غرفته بينما بقي أصدقاؤه، لتدور في إحدى الغرف مشادة وخلاف بين عبد المجيد وسميرة انتهى بمقتل الأخيرة ضرباً على يده. وأوضح الحكيم أن سميرة توفيت في الأساس نتيجة أزمة قلبية، وسط تضارب الروايات حول ما حدث بعد ذلك؛ حيث تشير رواية إلى إلقائها من الشرفة، بينما تقول أخرى إن صديقاً سابقاً للواء على المعاش حضر إلى المنزل، وحملا الجثة إلى الأسفل لإلقائها في الحديقة الخلفية للإيحاء بأنها حادثة انتحار. وفي وسط هذه العاصفة، أكد الحكيم أن بليغ كان نائماً ولا يعلم شيئاً، ورغم ذلك تم إلقاء القبض عليه وتوجيه التهمة إليه.
رحيل غامض وخطأ غير مقصود
لم تتوقف المآسي عند حدود تلك الليلة العصيبة، بل امتدت لتشمل الفصل الأخير من حياة الموسيقار الراحل. فقد كشف المؤلف أيمن الحكيم عن كواليس تذاع لأول مرة تفيد بأن بليغ حمدي توفي جراء خطأ طبي. ونقل عن محسن خطاب، صديق بليغ في أيامه الأخيرة، أن جواز سفر بليغ حمل تاريخ ميلاد مزيفاً (1939) بدلاً من تاريخ ميلاده الحقيقي (1931).
وبناءً على هذا السن المزيف، تم تحديد جرعات العلاج التي تلقاها الفنان، وبعد حصوله على الجرعة الثانية وافته المنية لأنه لم يتحملها. يوضح هذا التفصيل الدقيق كيف أن رحيل واحد من أبرز رموز الموسيقى العربية جاء نتيجة خطأ غير مقصود وعبثي، ليطوي صفحة حافلة بالإبداع والألم في آن واحد.
على المستوى الإنساني والمجتمعي، نلاحظ أن حياة الفنانين الكبار كثيراً ما تكون مسرحاً لتداخلات قاسية بين المجد الفني والتقلبات الشخصية المعقدة، حيث تدفعهم طيبة قلوبهم أحياناً لدفع أثمان باهظة في بيئتهم المحيطة. ما يثير التساؤل حقاً في هذا السياق هو: إلى أي مدى يمكن أن تظلم الظروف الشخصية والصدف العابرة أعظم العباقرة وتبعدهم عن مسارهم الإبداعي الأصلي؟
